حادثة على الطريق الزراعي

ليس من عادتي الاستماع إلى الإذاعة. إلا أنني أفضل الاستماع إلى البرنامج الموسيقي أو إذاعة القرآن الكريم وأنا أقود سيارتي. الأولى استمتع بها دائما والثانية تعلمت منها الكثير من أمور ديني. وأحيانا ما يستفزني ما أسمعه من أراء فقهائنا المنطلقة عبر هذه الإذاعة إلى ملايين البشر. وهذا ما حدث لي وأنا في الطريق الزراعي. فتحت الراديو وكانت إذاعة القرءان الكريم تفسر بعض آيات من سورة النور.

وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ(6)وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ(7)وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ(8)وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ(9)

صدق الله العظيم. الآيات واضحة المعاني ولا تحتاج إلى تفسير ولكننا نخرج منها بدروس أخلاقية سلوكية عظيمة كعظمة الإسلام. وهذا ما يشدني دائما إلى الاستماع إلى المتحدثين عن الآيات الواضحة السهلة المعاني. لم يضف المتحدث الكثير إلى ما هو واضح من إجراءات تتبع إذا اتهم زوج زوجته بالزنا إلى أن سأل المذيع سؤلا غاية في البراعة والفطنة. قال الله تعالى في الآية السابعة أن لعنت الله على الزوج إن كان من الكاذبين. وفي الآية التاسعة أن غضب الله على الزوجة إن كان زوجها من الصادقين وأنكرت صدقه. اللعنة على الزوج والغضب على الزوجة – لماذا؟ هنا أطرقت بأذني لأعرف السبب. لماذا اختار الله اللعنة على الرجل واختار الغضب على الزوجة؟ قال المتحدث الفقيه: الغضب أشد من اللعنة! زاد تركيزي لصوت الفقيه القادم من راديو السيارة وضغط بإصبعي على زر تعلية الصوت. قال الفقيه: لا يوجد رجل عاقل يتهم زوجته بالزنا. عظيم!، معنى ذلك أن الله خفف على الزوج الذي يتهم زوجته بالزنا، ذلك لأنه مجنون؟. وزاد انتباهي لأسمع من الفقيه ما دار بخلدي. قال الفقيه: لذا كانت له اللعنة فقط أما الزوجة فعليها الغضب وهو الأشد لأنها زانية … فالرجل صادق؟!!! سمعت صوت دوى فرامل سيارتي، كدت أرتطم بسيارة نقل كبيرة أمامي، تحمل أحجارا صلدا أتت من صحرائنا الجرداء. اتق الله يا رجل. أتقرر ما لم يقرره عَلام الغيوب الذي يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ. أوقفت السيارة على جانب الطريق. أفبهذه العتمة نفسر آيات من سورة النور؟. إن غضب الله فظيع ولكن هل لعنته أخف؟ إنني أغضب من ابني حينما يخطئ ولكنني لا ألعنه. هل ألعنه أفضل؟ فأنا أحبه رغم غضبي منه. ألا يكون الغضب أخف لأن الزوجة نالت جزءا من العقاب بالتشهير بها؟ واللعن أكبر لأن الزوج شهر بزوجته البريئة؟ أحتاج إلى فقيه في اللغة العربية فلست فقيها لا في الدين ولا في اللغة. شعرت بيد تربت على كتفي، رأيت بعض البشر حول سيارتي، أصوات حنونة مشفقة تقول اطمأن يا أخينا لقد ذهبت سيارة النقل ولم ترتطم بها. ابتسمت لهم وقلت لا بل ارتطمت.

عزت هلال
21/1/2001