الحصة ساعة ونصف

"ليس في الإمكان أحسن مما كان". لا أدري لماذا أكرر هذه الجملة كثيرا هذه الأيام. لقد قرأتها منذ فترة طويلة. قالها أحد الفلاسفة اسمه ليبنتز. فرحت جدا لأنني تذكرت اسمه. لا زالت ذاكرتي تحوي بعض المعلومات. حتى وإن كانت لا جدوى منها. كنت من أشد المهاجمين لهذا المبدأ. فهو يدعوا إلى السلبية. لم أكن أبدا سلبيا. كنت نشيطا. لا أعرف معنى السكون.

بدأت الحصة. ما الداعي لهذه الأفكار إذن. المعمل مزدحم على غير العادة. أظنهم جاءوا ليحتفلوا بي. ما من شك في ذلك … فأنا محبوب لديهم جميعا … ولماذا يكرهونني؟ … لا يهم كل ذلك … فماذا أفعل بحبهم … لا فائدة من كل هذا.

أنا مصمم على الحصول على أحسن النتائج. سأحقق قانون إستيفان. ماذا لو كان لي قانون. قانون سامي. ليس لاسمي رنين. قانون الويشي. اسم جدي أفضل. إذن سأثبت العكس. لن ينير المصباح. إذن قانون أستيفان خطأ … ثم …

يجب أن أصل جميع التوصيلات بدقة … ستكون نتائجي أحسن النتائج … المعيد معجب بذكائي … لم أذكر ذكائي هذا من قبل … أشعر بشيء من الامتعاض … أول مرة أفكر في كوني ذكيا. لم أكن أهتم بهذا الشيء المسمى ذكاء. ما الداعي إلى ذلك. لقد كنت دائما متفوقا في دراستي. لماذا أبحث الآن عن إعجاب المعيد بذكائي. هل خوفا من الفشل؟

الآن أقفل الدائرة. الإلكترونات تندفع بسرعة من البطارية. تزداد سرعتها … تتسابق. بعضها يتعثر في الطريق. يرتد إلى الخلف. لا يلبث أن يعود إلى الاندفاع إلى الأمام. النمل لا يعرف الملل. الإلكترونات لا تعرف اليأس. أنا أعرف كليهما. أستطيع أن أجعل الإلكترونات تتحرك بملل. خفضت الجهد الكهربائي. الإلكترونات تتحرك ببطء. رفعت الجهد الكهربائي. إنها تسرع … تندفع … تثور … تكاد تخرج من السلك. من يتحكم في جهدنا؟

جاء المعيد. سألته: المصباح لا ينير؟ أجاب: التيار لا يمر في الدائرة. قلت له: ولكنني شاهدت الإلكترونات تتحرك. نظر إلي وابتسم. إنه لا يصدقني. إنني أشعر بالحركة … تملئ المكان حولي. لم أكن أشعر بها من قبل. كان كل شيء ساكنا. رغم ذلك فهو لا يصدقني. أنا أصدق نفسي. أستطيع أن أقنعه. المعيدون … لا يفهمون هذه المسائل. لقد أكد لي المعيد أنني لا أستطيع رؤية الإلكترونات. حتى … لا أستطيع تحديد مكانها. وكل شيء يخضع للتخمين. يخضع لمبدأ الشك. هيسنبرج قال ذلك. أنت لست متأكدا من أي شيء. هناك شيء واحد أنا متأكد منه. ويجب أن أتقن عمل هذه التجربة. كل شيء يؤول إلى ذكريات. والحاضر يتحول إلى ماضي. والآن أنا هنا. وغدا سأكون هناك. ولن أهتم إن كنت أستطيع رؤية الإلكترونات أم لا.

ليس في الإمكان أحسن مما كان. على كل حال … لن أرى صاحبة المنزل التي لا تكف عن الصياح ليلا ونهارا. "النور يا سي سامي مولعه طول الليل … إنت بتخاف يا ضنايا من النوم في الضلمة".

هذا المؤشر اللعين لا يتحرك إلى الجهة الأخرى. دائما في الشمال. المفروض أن أحصل على اتزان. كيف لي بهذا الاتزان؟ كل شيء يميل إلى جانب واحد. لم يحدث مرة أن مال إلى الجانب الآخر. إنه يميل إلى جانب المقاومات الكبيرة. أنا أكره الجانب الآخر … لأنني لم أراه. كانت بي رغبة جامحة لملامسته. أعيش فيه ولو لحظة. أعيش حيث لا توجد مقاومات. أحلامي متواضعة. رغم ذلك فأنا أعود من حيث بدأت. بل لا أتحرك. إنني أقف حيث أنا. منذ بدأت. صديقي الإلكترون العزيز .. لا يترك مكانه .. إلا إذا ضمن العودة إليه. فقد قال المعيد يجب أن تكون الدائرة مغلقة. كل شيء يعيد نفسه. مبدأ التكرار هو المبدأ الخالد. لقد خرجت من القرية. وسأعود غدا إلى القرية. لم أكن أتوقع هذه العودة المبكرة. ينتظرني هناك سبعة من الأولاد وأم …

لماذا تأخرت في العودة؟ وماذا يحدث لو بكرت؟ سيان عندي … المهم أنني عدت … أو سأعود … نعم سأعود. رغم أنه من الصعب تقبل هذا الأمر … إلا أنني يجب أن أتقبله. إننا سجناء في هذه الحياة. نخضع لأوامر حارس عتي اسمه القدر … نعم القدر.

نزعت كل مفاتيح صندوق المقاومات. في إمكاني أن أضعها كلها. هذا بلا شك قدرة … تحكم … سلطان. في أي شيء أتحكم؟ في هذه الإلكترونات؟ إنها لا شيء. إنني أتحكم في إنسان أيضا. نعم … فقد ضربته مرة. لم يحفظ الدرس. رغم أنه يهددني بفقد ثلاثة جنيهات في الشهر. لقد كان أبله … غبي. قال لي والده في بداية العام: "الولد لازم ياخد مجموع كبير عشان يدخل الاعدادية". سأذهب لأودعه هو الآخر. سأقول له، ابنك لا يصلح للدراسة. من الأفضل أن يترك مكانه لآخر مثلي. وماذا يفعل مثلي في المدرسة. من الأفضل لأمثالي أن يعملوا ليكسبوا قوت يومهم وقوت هؤلاء الثمانية الذين ينتظروه. هذا القدر الأعمى. دائما لا يختار الأوقات المناسبة لتدخله. ماذا لو انتظر والدي قليلا. كم أمقته. لم يكن بيده شيء حينما قال لي: اذهب … أما أنا فلا أملك لك شيئا … الأمر سيكون هينا لأن التعليم بالمجان. حتى في موته … لم يكن بيده شيء. لا تنتظر أن أودعك. يكفي أن أصون التركة التي تركتها لي. سبعة أبناء وزوجة.

جاء المعيد. قال: الحصة انتهت. أين النتائج. نظرت إليه ببلاهة. ليس عندي ما أقول. قال: الحصة ساعة ونصف. تستطيع أن تجري أكثر من تجربة. قلت له: ولكن سرعان ما يعود القطار. الوقت متأخر. وضع رمزا في كراسته أمام اسمي. اكتشفت شيئا جديدا لم أكن رأيته من قبل. الرمز الذي يدل على الصفر. وخرجت من المعمل مسرعا لألحق بالقطار.

عزت هلال
1969