حكمت المحكمة

(خشبة المسرح ممتدة إلى جمهور المشاهدين وتتدرج في الإرتفاع دون درجات. المنظر عبارة عن هضبة تتشكل من مرتفعات ومنخفضات على الجانبين بينما الوسط منبسط إلى حد ما. في الركن الأيمن البعيد بعض الصخور يجلس على إحداها المتهم وهو رجل في الستين من عمرة ساكن مسالم أو مستسلم. وفي الركن الأيسر البعيد يجلس ممثل النيابة علي صخرة مماثلة وهو في الخامسة والأربعين من عمره يبتسم طول الوقت. وفي الوسط تتشكل منصة القضاة من الصخور أيضا. بينما ينتشر جمهور الحاضرين يمينا ويسارا إلى أن يلتقوا بالمتفرجين تاركين وسط المسرح شبه خالٍ، بعضهم واقفون والبعض الآخر جالس بشكل غير منتظم. وهم من الشباب، لا يتجاوز سنهم الخامسة والعشرين، متجهمون يظهر على وجوههم الغضب.)

(يدخل الحاجب)

الحاجب:- محكمة ..
:- جاء القضاةُ .. قِفوا

(يقف بعض الجالسين. تدخل هيئة المحكمة، وسط سكون مطبق، قاعة المحكمة. وتتكون هيئة المحكمة من ثلاثة قضاة كل منهم تجاوز المائة سنة. يجلس بعض الواقفين بشكل عشوائي لا ينم عن النظام)

رئيس القضاة:-
حكمنا بقتل العنيد

(تضج القاعة بالصياح والهتاف وتتعالي الأصوات من جوانب القاعة)
:- يموت الشقي العنيد
:- مخالفْ
:- مفرّقْ
:- مفْسِدٌ
:- خائنٌ زِنْديقْ
:- قطعوا أوصاله

(من وسط الضوضاء يأتي صوت)
الصوت: مهلا يا إخواني

(يتنقل بين الحضور)
:- اسمعوني .. اسمعوني

(تخفت الضوضاء قليلا بينما هيئة المحكمة تغادر القاعة ويعلو الصوت)
الصوت: إني محامٍ فاسمعوا

(يعم السكون لحظة وتقف هيئة المحكمة ثم تتعالي الأصوات من جديد)
:-محامٍ؟
:-أيكون حقا محاميا؟
:-لم نسمع من قبل عن محامٍ!
:-من يكون المحامي؟

المحامي: حقا أنا هو فاسمعوا
رئيس القضاة: غريبٌ حديثك يا صاح
المحامي: هو ذا في منظومتنا المُثْلي

النيابة: إنك من عصر فائت

(المحامي وهو يتوجه للقضاه)
:- نسينا زمانا أنا فيه مرموقٌ

(يقترب من المتهم ويضع يده على كتفه)
:- هو ذا دوري قد جاء

(تتحرك عينى المتهم بينه وبين الحاضرين بكسل ثم تستقر على جمهور الشباب ولا يتحرك بعدها)

(يتوجه المحامي للقضاه)
المحامي:-اسمعوا ما أقول لكم واحكموا

القاضي:- أصدرنا الحكم فلا حاجة لك

المحامي:- دون دفاع لا حكمَ لك

النيابة:- التُّهْمَةُ ثابتَةٌ، لا قَوْلَ لَكْ

المحامي مشيرا للمتهم:- إن يكن جُرْمٌ لهذا، فما الدافعْ؟

:-ربّما يَشْفَعُ الدّافِعُ تَغْيِيرَ حُكْمٍ شَطَطْ

النيابة:- لا شفاعة للخائنين

المحامي:- إنه من أسّس عالمنا الرا ئع
النيابة:- فعلا .. لكنه ناقَضَ ما أبدع
الشباب الحاضرين:
:-قد عشنا في نعيم مقيم
:- في ذاتٍ لا تَبْلي و لا تَشيخ
:- فيها من كل شيء لذيذ

القضاة:
:- وأخْرَجَنا مما نحن فيه
:- وهَدَمَ البُنيان الجميل
:- جاء بشيء مرير

:- لا تبريرَ مقبولَ
:- لفعله المشين

المحامي:- فلنفهم ما الدافع؟
:- ولنسمع أقوالَ شُهودٍ


(تظلم القاعة بحيث لا يري أي شيء ثم تسلط بقعة من الضوء البنفسجي على دائرة صغيرة تتكون من حلقات متلامسة من الأعمدة الخشبية يلفها ورق شفاف بداخل كل حلقة فتى أو فتاة (على التوالي) يرتكزون على ركبهم رافعين قاماتهم ولا تلتقي نظراتهم. يجلس المعلم القرفصاء في أحد هذه الحلقات ظهره إلى المتفرجين ويداه ترتكزان على ركبتيه وهو مثلهم لا يأتي بأي حركة)

المعلم:- علّمنا سقراط

(بكسل يردد التلاميذ)
:- سقراط
:- سقراط
:- علمنا .. سقراط

المعلم:- أن الحقيقة تعرف بالحوار
التلاميذ:
:- قد وصلنا للحقيقة
:- لا جدوى للحوار

المعلم:- ربما تكون وهما؟
التلاميذ:
:- الحقيقة هي القوة الكامنة في الذات
:- حيث لا حدود للحرية
:- حيث تزول القيود
:- ونصل إلى اللامنتهى

المعلم:- اللامنتهى هو الفناء
التلاميذ:
:- السعادة ما نحن فيه
:- لا نريد المزيد
:- الحركة إلى الداخل .. هي ما نريد
:- حواء داخل آدم ..
:- بعضٌ منه
:- ضلعٌ منهُ خَرَج ..
:- تَشكّل في الآخر
:- بعد اكتشافه في الخارج
:- ضاعت الجنة ..

المعلم: التجربة قد تفيد
التلاميذ:
:- أوْصَلْتَنا إلى ما نحن فيه
:- وتُريدُ الرجوع؟

المعلم:- مللت السعادة وأبحث عن جديد
التلاميذ:
:- داخلُنا كلُّ جَديد

المعلم: والخارج أيضا لذيذ
التلاميذ:
:- الخارج في أعماقنا .. كما نريد

المعلم:- التلامس فيه تجديد
تلميذ: فيه هلاك وتبديد
المعلم:- فلنحيا بعض الوقت مع الآخر
التلاميذ بتردد:
:- قد تكون التجربة شيء مفيد
:- لا مانع
:- لكن بحرصٍ شديد

(ترتفع ايدي الفتيان والفتيات ببطئ وتتلامس من خلال الورق الشفاف ويبدأ الضوء في التحول تدريجيا مارا بجميع ألوان الطيف إلى الأحمر في نفس الوقت الذي تتدرج فيه الموسيقى من النعومة إلى الصخب كما تتدرج حركة الشباب من إيقاعات بطيئة إلى سريعة ويتشقق الورق الشفاف مع تلامس الأجساد الراقصة ويخرج الفتيان والفتيات من أقفاصهم يرقصون في نشوة وفرح تنقلب تدريجيا إلى حركات هستيرية عنيفة ويخرج من اللون الأحمر لون أبيض مع صوت إنفجارات تنتهي بالظلمة القاحلة)

(تضاء الأنوار على المنظر الأول)
يصيح القضاة:
:- شيطان مريد
:- أخرجنا من جنة نعيم
:- الموت هو الحُكْم السديد

يندفع الحضور ويلتفون حول المعلم وسط الضجيج، ظهورهم إلى المتفرجين)
صياح يخفت:
:- مات المعلم
:- مات
:- مات

(يخرج المعلم من الطرف الآخر ويتجه إلى الجمهور قائلا)
المعلم:
:- لاموت
:- لا حياة
:- في الذات .. يقبع سر الوجود

(يستدير الشباب ويتجهون إلى وسط المسرح منشدين)
(تتشابك أيديهم خلف أعناقهم ويتجهون نحو المتفرجين)
النشيد:

جئنا إلى الدنيا فرادى
ونعيش كي نكون جموعا
ونعود حيث جئنا من علا

في الأرض نعمل جميعا
ونعلّي بنية الكون شموعا
فارفضوا الذات التي تسعى نفورا
وتواصلوا نكون وجودا
فصرح مجدنا تواصلا وتجديدا

نادوا الضمير كي يوحد صفّكم
وادعوا حضارةً من الأخلاق تاهت في الغيوم
هيّا نعيش في سرور
ننشد مجتمعين
نرقص مجتمعين
نضحك مجتمعين
من الجمال أن نكون مجتمعين

عزت هلال
القاهرة في 10 / 5/ 2003