يوميات شهيد

الحركة .. السرعة .. كان طابع هذا الحيز الضيق حولي. ما عداه كان الصمت والسكون. الطلقات تخرج من المدفع على التوالي مسرعة. لا تلاحق كل هذه الطائرات التي تزمجر في السماء غاضبة. وقع أحمد .. هدأت السرعة .. قلت الحركة. رقد أحمد بجواري. الكل لاه عنا. كأنهم لا يرونا. شظية أخرى تصيب ذراع إبراهيم. صوت المدفع أصبح أنينا. انتهى بالصمت معلنا الحداد. قنبلة مباشرة حولته إلى شظايا. استقرت واحدة في جنبي. وأخرى في إبراهيم. وثالثة في أحمد. كان جزءا منا .. حتى النهاية. هل كانت القسمة عادلة؟ أظن!

أحب الحركة والسرعة .. هذا طابع العصر. الطائرات تلف وتدور. ترمي حمولتها من المتفجرات. لا تنسى نصيبي من الشظايا. إن لم يكن من الحجارة والطوب. الحركة والسرعة تملئان المكان. أهذا ما كنت أريد؟ طائرة تمر فوقنا. أحمد وإبراهيم بجواري. نظر الطيار إلينا. خيل إلي أنه يبتسم. أطلق علينا دفعات من الفيكرز. استقرت واحدة في قلبي. شطرته نصفين. - قسمة عادله. نصف لك ونصف له.

قالت: أيشاركني حبك؟
قلت: لا أستطيع أن أبتعد عنه.
غضبت هالة. أقنعتها بأن حبي للمدفع تأكيد لحبي لها ولأهل بلدي.
ابتعدت الطائرات. ساد الصمت. الهدوء يلف المكان.
قالت أمي: اهدأ يا حبيبي أبوك نائم .. العفرته في دمك.
قالت خالتي: اتركيه فلا يزال صغيرا.
كبرت ...

أحب موسيقى الجاز والرقص. أحب المشي بسرعة. أكره البطء. السرعة طابع حياتي. الحركة هي أنا.
غضبت هالة لأنني أسبقها في المشي. لم أهتم.
أنا مرغم على الهدوء. السكون يلف المكان. انفجار هائل .. قنبلة زمنية انفجرت. أخذت نصيبي من الشظايا. جسمي مليء بالخروم. يعود الصمت من جديد. يقطعه انفجار قنبلة أخرى. القنابل الزمنية تبدد الصمت من آن إلى آخر. صوت طائرات يأتي من بعيد. الدخان يتصاعد من مواقع أخرى. خمدت النيران في موقعنا. جاءت عربة لوري. وقفت بجواري. نزل منها خمسة جنود وضابط. بحثوا عن القنابل التي لم تنفجر. أزالوها. نظر لي أحدهم. رأيت دمعة في عينيه. ربت الضابط على كتفه. أخذه بعيدا. ركبوا العربة.
تعود الضجة لتملئ المكان. أزيز الطائرات يدوي. طائرة تقترب من الأرض. تلقي قنبلة. تنفجر العربة. تخترق الطائرة حاجز الصوت. انفجار هائل في الجو. خرقت طبلة أذني القوية. تغادر الطائرات المكان. الشمس تودع الأرض حزينة. رحلتها اليوم كانت تعيسة. بدأ الظلام يلف المكان. النجوم تظهر. واحدة بعد الأخرى. ملأت السماء. كانت كخروم الإبر في ملاءة سوداء. القمر لم يكتمل نصفه. الهدوء يلف المكان. أحمد فنان يهوى الرسم. أقام معرضا للوحاته في الكلية. أعجب الكثيرون .. إلا أنا. وقفت متبرما أمام أحد اللوحات. طابعها السواد. يخترق السواد أربعة عيون لامعة. لم أفهم شيئا. لوحة أخرى أعجبتني. اللون الأحمر بارز. هو أبرز ما فيها. فتي وفتاة. يخرج من عيونهم نار. وجهان مليئان بالخطوط. أجسادهم عارية. عضلاتهم مشدودة. عروقهم بارزة. زرقاء وحمراء.

ظهر ضوء خافت من الجانب الآخر. أصبح في السماء قمران. السحاب يلف القمر الآخر. أحمد يعشق هذا المنظر. يزداد القمر الآخر توهجا. السماء تمتلئ بالأقمار. فوانيس ترميها الطائرات. تنير المكان. تحول الليل إلى نهار. فانوس يقترب من رأسي. ينطلق الرصاص من الطائرات وتلقي بحمولتها من القنابل. غادرت الطائرات. انطفأ النور. عم الظلام. انتصف الليل. كان البرد قاسيا. تجمد جسدي. جفت الدماء. تساقط الندى. بلل جسدي. لم يصيح الديك. ورغم هذا .. أشرقت الشمس.

***


مر الوقت على وتيرة واحدة. تنفجر القنابل الزمنية على فترات. متقاربة أحيانا. وأحينا متباعدة. جاء أفراد إزالة القنابل. تم عملهم بسرعة. لم يلتفتوا لنا.

توقفت ساعتي. قال بائع الساعات مضمونة خمسة وعشرين عاما. لم يكن يهمني هذا الأمر. دفعت له الثمن. كان مبلغا كبيرا. لم تتوقف أبدا عن الدق. يدور عقرب الثواني بنشاط. يقفز فوق عقرب الدقائق المتكاسل وعقرب الساعات الأكثر كسلا. لم تكن تدور بالبطارية. كانت حركة يدي تكفيها ليدب فيها النشاط.

السكون .. الصمت .. الوحشة تملئ المكان. تسير الشمس ببطء. تبخر قطرات الندى العالقة بأجسادنا. جاءت مجموعة من الجنود لإخلاء الموقع. جمعت الجثث. جذب أحدهم يدي اليسرى. أخذ الساعة. قرأ اسمي ورقمي ورتبتي. دونهم في ورقة. جاء آخر. حملني على كتفه. قذف بي في عربة. كونت الجثث هرما. كنت في القاعدة. أحمد كان في قمة الهرم. لم يكن هناك فرق بيني وبين أحمد. جلس الجنود حولنا. تحركت العربة. الجنود يتسامرون. قال أحدهم نكتة. ضحكوا .. عدا واحد. يبدوا أنها أول مرة. تبتعد العربة عن الموقع.

صوت طائرة تقترب. يقفز الجنود من العربة. فرملة شديدة. تهدم الهرم. انزلقت بعض الجثث على الأرض. رمت الطائرة قنبلة. اشتعلت العربة. ابتعدت الطائرة. عاد الجنود. بعضهم عاد. أخمدوا النيران الباقية في العربة. أصبحنا لحما مشويا. انكمشت أجسادنا.
قال أحمد: أكره أن أعيش مشوها.
لم تعد تصلح العربة للسير. لبثنا فترة طويلة. جاءت عربة أخرى. نقلوا كتل اللحم المشوية إليها. تحركت العربة. وصلت العربة إلى مكان خال. حفر الجنود حفرة عميقة. هذا علي. زميلنا في السلاح. جاء يلقي علينا نظرة وداع. أخذ ورقة بأسمائنا من شاويش مجموعة الإخلاء. لم يلتفت إلينا. توشك الشمس على الغروب. وضعونا في الحفرة. أهالوا التراب علينا. وغربت الشمس.

***


لم يعد هناك ليل أو نهار. لم يشيع أحد جنازتنا. لم يتبقى منا غير أسماء في دفاتر. مر الوقت بدون أحداث. الموت عدم. لأنه بدون أحداث. حينما تنتهي الأحداث يكون العدم.

عزت هلال
1969