هذه مملكتي

أحببته حبا لا مثيل له، وجاء وخطبنى من والدي. فأصبحت لا أخرج من منزلي إلا نادرا .. لا أجرى .. لا ألعب .. لا أقفز .. لا أغني .. لا أرقص .. فقد رأت والدتي أن هذا لم يعد لائقا بي. كانت ترقب حركاتي وسكناتي على غير عادتها. كانت لا تدعنا نخرج معا. كانت تقول لي دائما أنها خائفة علَيْ، "ما اجتمع رجل وامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما". قلت له ذلك .. فقال: شيطان أمك ملاك المحبين وجنة العاشقين. وكنت أثق فيه وأحبه. عرض علي أن نخرج خلسة، فرفضت خوفا، ليس منه، بل من أمي. قالت لي أمي "أن المرأة التي تعطي الرجل ما يريد ملْها وكرهها ورحل عنها"، قلت له أنني قرأت ذلك في الكتب، فقال لا تصدقي كل ما يكتب أو يقال. كان يقول لي أن الحرية هي أن تبحثي عن السعادة دون أن تأذي الآخرين وهذا الأمر يحتاج إلى طول بحث وتدبير نابع من الذات وليس من أقوال الآخرين .. إن كل إنسان تجربة ذاتية مستقلة ونموذج فريد من نوعه .. وعلي أن أحترم التجارب الأخرى. كان كلامه يعجبني وأثق فيه .. ولكن كيف أجعل أمي تفهمه، فقد كانت من جيل آخر .. جيل يتوارث العادات والتقاليد، صورة من أصل لم يتغير فيها غير القليل من الرتوش. هكذا كان يقول لي دائما.

وخرجت معه دون علم أمي، رغبتي هي التي دفعتني إلى ذلك .. الانطلاق .. السعادة .. الأحلام التي حدثني عنها، كل هذا دفعني إلى أن أعود طفلة بين ذراعيه، أغني وأرقص .. نلعب ونضحك بين الحقول والوديان .. كنت أعيش لحظات من الخيال في قارب صغير يرقص على أمواج النيل الهادئة .. أسمع، أو هكذا خيل إلي، موسيقى راقصة فرحة كأنها موسيقى تصويرية مثل التي تصاحب مثل هذه الصور الجميلة في الأفلام. وصلنا في نهاية رحلتنا إلى شقته البسيطة المتواضعة .. جنة صغيرة لا تتسع إلا لعاشقين.

ارتميت على سريره الناعم المريح، أغمضت عيني لأسمع دقات قلبي الراقصة، والموسيقى التصويرية في خيالي .. لمست شفتاه شفتي في قبلة، لففت ذراعي حول رقبته، داعبت أنامله شعري الطويل، غاص وجهي في شعره ووجهه في عنقي .. قبلته في كل جزء من وجهه .. وانسحبت ملابسي من الموقف غير قادرة على مواجهته .. غصت بجسدي بين أحضانه، يضمنا السرير الناعم في نشوة غامرة .. وبدأت الموسيقى التصويرية في إيقاعات يتحرك عليها جسدانا في لذة ونشوة.

أحبك .. أحبك .. نسيت كل كلمات الغرام، ولا أدري لماذا كانت هذه الكلمة أبلغ تعبيرا عن كل هذه النشوة، رغم أنها لم تكن تكفي فيما مضى. أغمضت عيني كي لا تضيع هذه الأحاسيس بأخرى تراها العين .. قبلني ومسح بيديه على شعري وخدي ..

قلت له: ألم نتسرع فيما فعلنا؟
- لا ..
- متى نتزوج؟
- غدا .. إن شئت
- لا أظن ذلك
- لماذا؟
- لم نوفر بعد المال الكافي
- لماذا؟
- لنؤثث منزلا
صمت .. نظر إلي .. قبلني .. ابتعد عني قليلا ونام على ظهره .. ثم قال:
- ما رأيك في منزلي؟
- صغير ..
طال صمته هذه المرة .. ثم قال:
- سيكبر مع الأيام ..
- إذن لا يزال أمامنا وقتا طويلا
انتظرت أن يقول شيئا .. تقلبت أنا .. اقتربت منه .. دفنت وجهي في الوسادة. قال في حنان بالغ:
- تعيشين معي هنا؟ .. في منزلي الصغير.
- لا .. المنزل هو مملكتي
مسح بيده على شعري الناعم بحنان بالغ، ومنه إلى ظهري العاري، وانحنى وقبلني على كتفي ومر بخده عليه وطبع قبلة أخرى على عنقي، وببطئ نهض من السرير وأنا أنظر إليه، وارتدى ملابسه، وقمت بالتالي وارتديت ملابسي. قال لي:
- هيا بنا
- إلى أين
- سترين
وخرجنا .. مررنا بالأماكن التي تجولنا فيها من قبل .. النيل .. الحديقة .. بين الزهور والأشجار .. بين النجوم والقمر .. يضمني إلى صدره من آن إلى آخر .. يقبلني .. يسرع ويبطئ .. يمسك بيدي .. وفي وسط حديقة خضراء يانعة يتناثر فيها الزهور ويملأ جوها رحيقها الطيب .. يترامى إلى سمعنا أغاريد الطيور على الأشجار .. وخرير الماء في جدول يسبح فيه الإوز بجمال وخفة.

قال لي مشيرا بيده إلى هذا كله:
- هذه مملكتي!

وترامى إلى سمعي موسيقى تصويرية راقصة كالتي نسمعها في الأفلام، كلها حركة، انطلاق، حرية .. فاقتربت منه ووضعت يدي على كتفيه واقتربت شفتاي من شفتيه وفي قبلة طويلة ضاعت كل أوهامي …

عزت هلال
مارس 1970